“من شّدة سعادتي، كاد قلبي أن يُسحق!”

Image

“ومن شدّة سعادتي، كاد قلبي أن يُسحق!”، قرأت هذا الوصف مؤخراً في أحد الروايات، واستوقفني قليلاً، ليس لمعناه الثقيل، بل لمشابهته تماماً لما أشعر به.

حقاً يكاد قلبي يُسحق من الفرح!

فرح التخرج، وفرح اكتمال الإنجاز، وفرح الوصول للهدف!

حقاً يكاد قلبي أن يُسحق عندما أرى الفرح الممزوج بالفخر في عين والديّ، الذي يتضح لي على شكل لمعة خاطفة في أعينهم، وعلى شكل سؤال يتعلق بتفاصيل غير مهمة تتعلق بالتخرج!

حقاً يكاد قلبي أن يسحق عندما أصل لهذه اللحظات وبرفقتي من يشاركني تفاصيلها، ويسمع لجميع أجزائها، ويقدم لي أفكاره من غير أن أسأل.

حقاً يكاد قلبي أن يُسحق، عندما تصلني رسالة تهنئة من شخص مرّ على مساعدتي له ما يزيد عن السنة، يُبارك ويجدد الشكر على تقديم الإجابة!

وفي جزء من لوحة السعادة البراقة، دائماً ما يختبئ الحزن!

في نفس الرواية التي جعلتني استشعر معنى السعادة، بالمثل جعلتني أستشعر طعم الحزن!

على لسان البطل: “كاد قلبي أن ينفطر من شدّة الحزن” .

في مناسبة التخرج أيضاً، نستخلص منها الحزن على سياق هذه الرواية!

تذوقت في مناسبة التخرج هذه الجرعة الكبيرة من الحزن على وداع الأصدقاء، والأشخاص المؤثرين، والمبدعين!

وتذوقت الجرعة الأصغر منه خوفًا من مستقبل جديد، مبهم في أغلب تفاصيله!

أما الجرعة الضئيلة، فكانت على توديع الروتين الدراسي الثقيل بالواجبات والاختبارات!

هذا والله أعلم بما شعرت به، وما بُحت ببعضه لصديق، وما امتلئ به صدري كل هذه الفترة.

والحمدلله. اللطيف، الكريم، المنان علينا بمستقبل لمّاع ناصع البياض بإذن الله.

أروى

مايو ٢٠١٧

♥️

مراجعة كتاب|رسالة في أدب الاختلاط بالناس ورسائل أخرى.

22890784

رسالة في أدب الاختلاط بالناس ورسائل أخرى-للإمام الراغب الأصفهاني.

أولاً، الكاتب: هو شخصية شبه مجهولة!

فكل ما يتعلق بحياته ونشأته وعقيدته في محل شك، حتى اسمه الكامل لم يوجد مرجع ثابت له.

وفُسّر ذلك بسبب قلة حديثه عن نفسه، و بُعده عن بلاط السلاطين والأمراء، وعدم انضمامه لأي حزب سياسي أو ديني.

(أحياناً، يبدو لي أن معرفة تفاصيل حياة شخصية عاشت قبل حوالي قرن لن يكون ذا أهمية كبرى في وقتنا الحالي، فالأهم هو ماكتبته هذه الشخصية وما نقلته لنا من علِم، وما دونته من أشعار، فهذا هو الباقي، فبعد مرور السنين وتعاقب الأزمان لن يصبح لتفاصيلنا الشخصية معنى! بقدر المعنى الذي يتركه ما كتبته يدانا، وما قدمناه للأمة من خير تستفيد منه الأجيال.

وأحياناً أخرى، تكون تفاصيل حياة الشخصية مهمة بقدر النجاح والأثر الذي وصلنا عنها، فبعض الشخصيات نحن بحاجة ماسة لنعرف نشأتها وطريقة تربيتها والبيئة التي ترعرعت فيها وأثرت بها! وأقرب مثال على ذلك هم الصحابة رضي الله عنهم، فعلى الرغم من أن بعضهم لم يترك لنا كتاب نقرأه، أو قصيدة نرددها، إلا أنّا قد استخلصنا من سيرهم ووصف حياتهم الكثير من العبر والفوائد.)

ثانياً، الكتاب:

الكتاب اشتمل أربع رسائل مختلفة وُجِدت في مخطوطة واحدة، وهي: (سأفُصل كلاً منها على حِدة)،

الأولى: رسالة في أدب الاختلاط بالناس،

وحدةُ العاقـل خيـرٌ مِن جليس السوءِ عندهْ

وَجليُس الَخيِر خيرٌ من جُلوِس المَرِء وحــدِةُ

مايّميز أسلوب الكاتب هنا، أنه وضّح الفرق بين الاختلاط بالناس والعزلة وفضائل ومذام كلاً منهما بأسلوب المقارنة المتساوية، قبل أن يطرح رأيه الشخصي الذي فضّل فيه مخالطة الناس على العزلة!

ذكر في الاختلاط، أن الإنسان بجبلته يقتضي أن يعيش بين الناس،ولايمكن أن يستغني عن الآخرين في شؤون حياته،وسّمي الإنسان إنساناً لأُنسِ بعضهم ببعض. (ينفي بذلك صحة قول أبو تمام سميت إنساناً لأنك تنسى).

قال ابن عباس لرجل سمعه يقول: اللهم أغنِني عن الناس:أيها الرجل ما أراك تسأل الله إلا الموت! إن الناس، ماداموا أحياء، لا يستغني بعضهم عن بعض، فقل: أغنني عن شِرار الناس”.

وقال حكيم: أجهل الناس من استأنس بالوحدة وتكثّر بالخلوة.

أما في العزلة فقد قسّم الناس إلى نوعان:

١- نوع عاقل، مشغول بالتفّكر والتأمل والتعلم والعبادة، استغنَ بالله عن البشر، وهنا عزلته محمودة.

قيل لأحد الفقهاء: أما تستوحش من طول الجلوس في البيت؟ فقال : “و ما لي أ ستوحش و الله تعالى جليسُ من ذَكرَه؟ ” .

وقيل لآخر في ذلك فقال:أنا جليسُ ربيّ إذا شئت أن يُناجيني قرأتُ كتابه، وإذا شئت أن أُناجيُه صّليت.

٢- نوع فارغ، لا يشغل تفكيره إلا الردئ من الأفكار، يقضي وقته بأحلام اليقظة، ويمضي عمره بالهواجيس والأوهام ووسوسة الشيطان، وهذا عزلته مذمومة.

بعد ذلك، تحدثت الرسالة عن المحبة بين الناس وأسبابها، وبشكل موجز المحبة لها أربعة أسباب:

١- الفضيلة، وهي المحبة في الله، وهي أبقى أنواع المحبة.

٢- المنفعة، وهي المحبة التي تأتي لغرض منفعة تُرجى من ألمُحَب، وتنتهي بانتهاء المنفعة.

٣- اللذة، وهي المحبة للمال أو الجمال، وتنقطع بانقطاع الغرض.

٤- الصفات الخلقية الخفية، وهي المحبة من غير سبب، وهي المحبة من غير سبب، فأحياناً نُحب الشخص من أول لقاء، وأحياناً نتوجس من شخص شراً من أول لقاء.

واستكملت الرسالة بالحديث عن المحبة وأنواعها، والفرق بين المحبة والمودة والإخاء، ومحبة الله، وعن الأصدقاء وفضلهم، والخلائق التي يجب التحلي بها للمحافظة على الأصدقاء.

الثانية: رسالة في فضيلة الإنسان بالعلوم،

ذُكِر في هذه الرسالة أن قيمة الإنسان الباقية تكون في علمه وحكمته، فماله وجاهه وعافيته كلها أمورٌ زائلة، وبعد زوالها لا يبقى له إلا علمه وحكمته.

والعلم لا يحُصّل من غير جد واجتهاد وصبر وكفاح، فمن ضرب المستحيل أن يتعلم ويتفقه الإنسان من غير تعب وجهد، فالعمل لتحصّل العلم أمر شرطي.

وقد قيل: العِلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك، ولا يرعاك حتى تُعيره جدّك وجُهدك.

وأكدت الرسالة على أهمية السؤال لتحصيل العلم، فالسؤال هو مفتاح المعرفة!

قيل لدغفل (أحد أعلام العرب): بما أدركت هذا العلم؟ فقال: بلسانِ سؤول وقَلبِ عقولِ.

الثالثة: رسالة في مراتب العلوم والأعمال الدنيوية،

بشكل موجز، توضّح هذه الرسالة مفهوم العلوم الدينية والأعمال الدنيوية بالتفصيل فيهم،

فالعلوم الدينية يندرج تحتها الإيمان بالله تعالى وحده، ويكون ذلك بالفطرة السليمة التي فطرَ الله عليها البشر، و بالرؤية والنظر في نواميس الطبيعة والعلاقات السببية التي تثبت وجود الله ووحدانيته، ثم ما يُدركه العقل من الوحي والنبوة وعلوم الفقه والأخلاق الإسلامية.

فكل هذه علوم دينية يختص العقل بإدراكها وفهمها.

أما الأعمال الدنيوية، فيندرج تحتها الأعمال النبيلة والفاضلة التي تنبع من معرفة الله تعالى وهي ترك الفحشاء، ومزاولة الخيرات، ومراعاة الله ومراقبته. وهذه أعمال لا يمكن تحقيقها إلا بعد العلم بها!

وأشارت هذه الرسالة إلى أسبقية العلم قبل العمل، فلا يمكن للعمل أن يتحقق بشكل كامل من غير علم!

وقد قيل: العلم ابتداءٌ والعملُ تمامٌ.

الرابعة: رسالة في ذِكر الواحِد الأَحد،

الرسالة عرضت بحث لغوّي يُبيّن معاني مفردتي الواحِد والأحَد بشكل منفصل، وتبحث في الأجزاء الدقيقة بالمتعلقة بالمعنى للتفريق بينهما حينما يراد استخدامهما مع الله تعالى،

و فَسرت المعنى بشكل دقيق يرجع لأمهات الكتب من المعاجم اللغوية التي توضّح مصادر الكلام وتراكيبه وإعرابه.

وبعد انتهاء هذه الرسالة وتوضيح أهدافها، حذر الكاتب من التوغل في الحديث عن معاني وحدانية الله تعالى وطرح الأسئلة حول أمور العقيدية إلا للعلماء والراسخون في العلم.

وهنا تنتهي الرسائل ويُختم الكتاب . .

(العناوين التي ناقشها الكاتب شيقة، وتستحق أن ُيقرأ عنها! توقفت كثيراً لأقتبس منه، مليئاً بالحكم والأبيات التي تستحق الاقتباس. أيضاً، الكتاب غني جداً بمفردات القرآن، وهذا ما جعل لغته قوية وأسلوبه مؤثر. وأخيراً الكتاب يحتاج أن يقرأ كاملاً بهوامشه حتى ُيفهم و ُيستفاد منه خير الاستقادة).

انتهى..

يسألني الكثير “لماذا الروايات؟”

التجربة الأولى في التدوين الشخصي.

“إن مجرد رغبة المرء في الكتابة لا تكفي، على مايبدو، لأن يكتب على نحو جيد!”.

أتفق تماماً مع هذا الاقتباس، فأحياناً نشعر بحاجة للكتابة فقط رغبةً للراحة والتخلص من تراكمات الحياة،

وهذا لا يعني أن وجود الرغبة لدينا ستجعلنا نكتب بشكل جيد مثيراً لانتباه القرّاء.

تم إنشاء هذه المدونة، وجوداً للرغبة، وشوقاً للتجربة، و إرضاءً للنفس، ومشاركة الكثير من الثرثرة والقليل من الأفكار.

أيضاً، سأشارك بعضاً من الكتب، والتجارب، والدراسة، باختصار كل شيء يمكن مشاركته عبر الكتابة.

لن أطيل في البداية، فالبدايات دائماً مملة، مللٌ مرتبط بنفسنا البشرية المتشوقة دائماً للقادم والمستقبل . .


لماذا الروايات؟

كثيراً ما يتكرر على مسامعي هذا السؤال، وكثيراً ما أحاول الإجابة عنه بشرح مختلف وأفكار جديدة، لكن دائماً تقودني الإجابة إلى حوار غير مقنع! (غير مقنع لي على المستوى الشخصي!).

وفي الغالب، عندما تُذكّر للناس بأنك (تقرأ رواية)، يرِد في أذهانهم سريعاً أن لديك متسع من الوقت تحاول أن تقضيه بشيء للتسلية، وعندما تحمل روايتك معك في كل مكان، يتساءل الناس بـ (ماهذا التعلق الزائد بأمور لا منفعة منها)!

وأيضاً عندما تُسأل ماذا تقرأ؟، وتجيب بأنك انتهيت من أحد روايات ديستويفسكي على سبيل المثال، حتماً ستتلقى تلك نظرة التي تحمل الكثير من الازدراء.

ولكثرة تكرر ورود الأسئلة وانتشار بعض من الأفكار المغلوطة حول فكرة (أدب الرواية) وتصنيفها كمادة للتسلية فقط، وأنها لا تعود على القارئ بأي منفعة تذكر، أريد توضيح بعض النقاط حولها، اعتماداً على تجربتي السابقة.

١- الرواية ليست مجرد سرد لقصة أو حادثة تاريخية، أو حديث من وحي الخيال!

بل هي أعمق من ذلك وأعظم، دائماً تحمل كثيراً من الأفكار والحوارات والمواقف المؤثرة.

فأحياناً يرِد في ذهنك أفكار وخواطر لا تستطيع أو لا تعرف كيفية التعبير عنها، بعدها تقرأ رواية تجد بالمصادفة أن الكاتب يصف مشاعرك وما في ذهنك بشكل مشابه تماماً لك، وتشعر كأنك تقرأ نفسك بين السطور!.

٢- لا أتحدث عن (بعض) الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة، الروايات الضعيفة المليئة بالوهم والحب والخيالات المبالغ فيها، بل أتحدث عن الروايات الخالدة، الأدب الإنجليزي الكلاسيكي، أدب ديكنز وهوجو وديستويفسكي ومنيف! والقائمة تطول بالأسماء، فمن لم يقرأ البؤساء، والجريمة والعقاب، ومدن الملح ،و زوربا اليوناني لايحق له أبداً أن يحكم على الروايات، لأن حكمه سيكون سطحي جداً.

٣- عندما تقرأ رواية، استشعر أنك تقرأ جهد إنسان قضى سنوات من عمره ليظهره بهذه الصورة، فمن وجهة نظري، كتابة الرواية أصعب بمراحل من الكتابة العلمية، لأنها تحتاج لاستحضار مشاعر وأفكار وخيالات وأماكن وأشخاص قد يكون بعضهم من وحي الخيال! وعندما يكتب الإنسان رواية من ١٠٠٠ صفحة فإنه يترك أجزاء من نفسه بين السطور، وهذا ليس بالشيء السهل.

٤- يعتقد أكثر الناس أن القراءة تعني المعلومات!! وأن الشخص القارئ يجب أن يكون لديه إجابات جاهزة على جميع الأسئلة!
وأن القارئ هو إنسان مثقف، وأن الثقافة هي معلومات! وتختلط الأمور ببعضها ولا يعرف الإنسان هويته.
هل هو مثقف؟ أم قارئ؟ أم صاحب عقل معلوماتي!

فهنا يجب أن نوضح أن الثقافة تعني المعرفة، والمعرفة لا تنحصر على المعلومات المجردة! فهي أوسع بكثير، المعرفة بالحياة، وفهم طبائع البشر، وأحكام الدين، والدنيا، والتغيرات.

٥– الغرض من القراءة يختلف من شخص لآخر، ويختلف حسب الحاجة أيضاً، فهناك من يقرأ بحثاً عن المعلومات المجردة!

وهناك من يقرأ ليغير من نفسه ومن حياته ومن آراءه، يقرأ ليوسع أفقه، ويطلع على العالم، ويتعلم من الآخرين.

٦- الروايات من وجهة نظري تغير الإنسان دون أن يشعر!! فهي تستعرض للقارئ الحياة والبشر، الحياة باختلافاتها، والبشر بشخصياتهم وأفكارهم. أيضاً تجعله ينتبه للزمان، كيف أن الزمن يتغير ويغير الأماكن والناس.


نقطة أخيرة عامة:

إن كنت تقرأ، فالتنوع مطلب مهم، والمتعة في القراءة دائماً تحدث بين التنقل من كتاب لآخر، التنقل من رواية إلى تاريخ إلى شعر…إلخ. فالعيش بالتجارب المختلفة هو مايجلعنا أفضل، حتى من دون أن نشعر.

فلا يعني حديثنا أن نركز على قراءة الرويات ونترك غيرها من الكتب، بل هو لتوضيح فكرتنا حول الشائع عن الروايات.


اترك لي تعليقاً